ابن أبي أصيبعة

40

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

وجدوه من البخارين والصناع ، فقطع « 1 » لداره كلها صحونها " وحجرها " « 2 » ، ومجالسها وبيوتها ومستراحاتها خيشا ، حتى لا يجتاز الخليفة في موضع غير مخيش . وإنه فكر في روائحه التي لا تزول إلا بعد استعماله مدة فأمر بابتياع كل ما يقدر عليه بسرّمن‌رأى من البطيخ « 3 » ، وأحضر حشمه وغلمانه ، وأجلسهم يدلكون الخيش بذلك البطيخ ليلتهم « 4 » كلها . وأصبح وقد انقطعت روائحه ، فتقدم إلى فراشيه فعلقوا " جميعه " « 5 » في المواضع المذكورة ، وأمر طباخيه بأن يعملوا خمسة آلاف جونة ، في كل جونة " باب خبز سميد " « 6 » ، ودست رقاق ، وزن الجميع عشرون رطلا ، وحمل « 7 » مشوى ، وجدى بارد ، وفائقة ، ودجاجتان مصدرتان ، وفرخان ، ومصوصان ، وثلاثة ألوان ، وجام حلوى « 8 » . فلما وافاه " المتوكل " ، رأى كثرة الخيش وجدته ، فقال : أي شئ أذهب برائحته ؟ فأعاد عليه حديث البطيخ ، فعجب من ذلك . وأكل هو وبنو عمه ، و " الفتح بن خاقان " « 9 » على مائدة واحدة ، وأجلس الأمراء والحجاب على سماطين عظيمين لم ير " مثلهما لأمثاله " « 10 » ، وفرقت الجون على الغلمان والخدم ، والنقباء ، والركابية ، والملاحين ، والفراشين ، وغيرهم من الحاشية ، لكل واحد جونة . و " قال " « 11 » قد أمنت ذمهم ؛ لأننى ما كنت آمن لو أطعموا على موائد أن " يرضى هذا أو يغضب الآخر " « 12 » ، واحد يقول : شبعت ، وآخر يقول : لم أشبع « 13 » ، فإذا أعطى كل إنسان جونة من هذه الجون كفته . واستشرف " المتوكل " « 14 » على الطعام فاستعظمه جدا ، وأراد النوم ، فقال لبختيشوع : أريد « 15 » أن تنومنى في موضع مضىء لا ذباب فيه ، وظن أنه يتعنته بذلك . وقد كان " بختيشوع " تقدم أن يجعل أجاجين الدبس « 16 » في سطوح الدار ؛ ليجتمع " الذباب " « 17 » عليه ، فلم يقرب أسافل « 18 » الدار ذبابة واحدة ، ثم أدخل " المتوكل " إلى بيت مربع كبير ، سقفه كله " بكواء فيها " « 19 » جامات تضيء البيت منها ، وهو مخيش مظهر " بعد الخيش الدبيقى " « 20 » المصبوغ بماء الورد ، والصندل ، والكافور .

--> ( 1 ) في ج ، د : " فقطعوا " . ( 2 ) في أ : " حجرها " ، والمثبت من ج ، د . ( 3 ) البطيخ ، طبعه بارد لطيف ، وينفع قشره إذ لصق بالوجه من النوازل التي تصيب العين ، ويدر البول ، ويحرك القئ ، وينفع الكلى ، ويفتت الحصاة ، ومن أنواعه : الهندي ، والسندي ، والمأموني . انظر : الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار : 1 / 135 . ( 4 ) في ج ، د : " ليلته " . ( 5 ) في أ : " جميعا " ، والمثبت من ج ، د . ( 6 ) في ج ، د : " لباب خبز وسميد " . ( 7 ) في ج ، د : " وجمل " . ( 8 ) في طبعة مولر : " حلواء " . ( 9 ) ساقط في أ ، والإضافة من ج ، د . ( 10 ) في ج ، د : " مثلها لأمثاله " . ( 11 ) في أ : " نرض هذا ونغضب " ، والمثبت من ج ، د . ( 12 ) في ج ، د : " يقول واحد ويقول آخر " . ( 13 ) ساقط في ج ، د . ( 14 ) في ج ، د : " تريد " . ( 15 ) في طبعة مولر : " السيلان " . ( 16 ) في أ : " الذبان " ، والمثبت من ج ، د . ( 17 ) في ج ، د : " الدور " . ( 18 ) في ج ، د : " كوى فيه " . ( 19 ) في ج ، د : " بعض الخيش بالدبق " . ( 20 ) في أ : " ما هو " ، والمثبت من ج ، د .